المعسول

المعسول

المعسول - العلامة محمد المختار السوسي - لعلامة محمد المختار السوسي المغربي، أحد أكبر علماء المغرب في المغرب المعاصر ولد الفقيه الأديب الشاعر المجاهد الشيخ محمد المختار السوسي في قرية "إلغ" بمنطقة سوس جنوب المغرب سنة 1319 هجرية (حوالي سنة 1901م )، من أسرة محافظة عرفت بشدة تمسكها بالعقيدة الإسلامية. درس المختار السوسي على يد فقيهها الشيخ عبد الله بن محمد فحفظ القرآن الكريم وأشهر المتون الفقهية واللغوية، ثم تتلمذ على يد العلامة الطاهر الإفراني، ثم الشيخ عبد القادر السباعي. وفي سنة (1338هـ /1919م) التحق طالبا بجامعة ابن يوسف بمراكش ثم بجامعة القرويين بفاس سنة (1342هـ / 1923م )ومع صدور الظهير البربري سخر قلمه لمناهضة الاستعمار الفرنسي، وعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية، فساهم بشكل فاعل في تأسيس الحركة الوطنية وتعزيزها مع مجموعة من الوطنيين من أمثال الزعيم علال الفاسي والشيخ عبد العزيز بن إدريس والشيخ محمد الحمداوي وغيرهم. وفي سنة (1347 هـ/ 1928م ) التحق بالرباط حيث أخذ العلم عن الشيخين الجليلين "شعيب الدكالي" و"المدني بن الحسني" قبل أن يتفرغ هناك لتدريس الحديث والفقه والأصول والمنطق والأدب. ونظرا لتصاعد أنشطته النضالية التي تركزت بالخصوص في تحريض الشباب على المقاومة الاستعمار، وتنظيم تجمعات شعبية واسعة، تضايق الاستعمار من تزايد أنشطته، فأصدر أوامره بنفيه إلى قريته "إلغ" حيث مكث هناك سبع سنين، ثم أذن له بالعودة إلى مراكش سنة (1365هـ/ 1945م)، ومرة أخرى سيعود الفرنسيون إلى نفيه إلى الدار البيضاء سنة (1951م)، حيث التقى برفيق دربه الشيخ محمد الحمداوي فعملا معا على دعم الحركة الوطنية. واضطر الاستعمار، مرة أخرى، إلى نفيهما معا إلى "اغبالونكردوس'' في الصحراء، حيث مكث هناك حتى بداية سنة (1955 م)، ثم رجع إلى الدار البيضاء بعد أن أفرج عنه. وبعد أن نال المغرب استقلاله تقلد الشيخ المختار السوسي منصب وزير الأحباس (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حاليا) في أول حكومة (المعروفة بحكومة البكاي الأولى) طيلة 11 شهرا، ثم عين بوزارة التاج إلى جانب كل من الشيخ محمد بلعربي العلوي والشيخ الحسن اليوسي. آثاره خلف المختار السوسي تراثا فكريا وفقهيا وتاريخيا وأدبيا ضخما، مطبوعا وغير مطبوع، منه كتاب 'المعسول''، و''سوس العالمة'' و"الالغيات" و"إيليغ قديما وحديثا" و"معتقل الصحراء" و "خلال جزولة " وديوان شعر يضاهي به فحول الشعراء.. ومن مخطوطاته " الألفاظ العربية في الشلحة السوسية"، ورواية "أحاديث سيدي حمُّو الشَّلحي في الأخلاق والعادات السوسية"، ومخطوط في أصول الفقه "تحفة القاضي في بدايات علم الأصول".توفي رحمه الله تعالى في 28 جمادى الثانية 1383 الموافق 15 نونبر 1963م بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجازات

About the Book

    -المعسول –  العلامة محمد المختار السوسي

             – روابط الكتاب أسفله, للتصفح أو التحميل…
                      المجلد 1 ….المجلد 2 …. المجلد 3 ….  المجلد 4 ….المجلد 5 ….
                     المجلد 6 ….   المجلد 7  ….. المجلد 8 ….  المجلد 9 …. المجلد 10 …. المجلد 11 ….
                     المجلد 12 ….المجلد 13 …. المجلد 14 …. المجلد 15 ….  المجلد 16 …. المجلد 17 ….
                      المجلد 18 ….   المجلد 19  المجلد 20 …. الفهرس ….  

 

لا يمكن النظر لتآليف المرحوم محمد المختار السوسي إلا في إطار حركة التعريف بالمناطق المغربية المختلفة ثقافة وحضارة ، وجغرافية ، وتاريخا ، وأدبا … تلك الحركة التي نشطت في النصف الأول من القرن العشرين ؛ فلقد أشرت في بحوث سابقة (1 ) إلى أهمية هذه التآليف التي أرخت لمناطق وأقاليم معينة من المغرب كمراكش وآسفي والصويرة والرباط ، وسلا ، ومكناس ، وفاس ، وقبيلة بني زروال ، وتطوان …
وجل الباحثين يؤكدون على هذه الأهمية للكتابة الإقليمية في التعريف بما تختض به الجهات في المجالات العلمية والثقافية المختلفة . يقول الأستاذ عباس الجراري: {كلما قسم نطاق الإقليم في الدراسة إلى بيآت صغيرة كانت دراسة الإقليم مكتملة ومستوفاة ، وهذا ما يجعلني أحبذ الأبحاث والتواريخ التي ألفت وتؤلف ، ولو بطزيقة قديمة ، عن مدن كمراكش ،  وسوس ، وتطوان ، والرباط ، وفاس … ، فإنه من مجموع هذه الكتابات يمكن تهييئ المادة التي قد تساعد على استخراج الصورة الحقيقية للمغرب سواء في تاريخه السياسي أو الفكري }(2) .
والمختار السوسي نفسه كان مقتنعا بأن الكشف عن التراث الوطني ، والتعريف بأعلامه ، والوقوف على مجالات الإبداع والابتكار فيه ، لا يمكن أن يتم ذلك دفعة واحدة وبطريقة مجملة ، بل {لا يمكن أن يتكون تكونا تاما إلا من التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر ، ولكل بادية من البوادي } (3) . لذا يحذر مما يمكن أن تفهم به هذه الكتابات على أنها نوع من النعرات الصيقة ، أو من العنصرية الممقوتة التي فشل المستعمر ـ من قبل ـ بكل وسائله في نشرها بين القبائل وتركيزها في النفوس والضرب على وترها {لجعل المغرب أشلاء ممزقة } (4)  .
فالتأريخ للأقاليم إذن واضح الهدف ، بين المقصد ، يسعى لوضع لبنات صرح الثقافة الوطنية ، وإبراز جوانبها ، وإحياء ما اندثر أوتنوسي منها ؛ فهذه التآليف كما يرى المختار السوسي ـ {سيتكئ عليها الذين سيتصدرون للتاريخ العام المستوعب في العلم العربي المغربي غدا }(5) .
ومن هذا المنطلق ؛ فكتبه الكثيرة عن سوس ، والتي تربو على السبعين كتابا (6) تسد فراغا كبيرا كان يستشعره الباحث في تاريخ هذه المنطقة . يفول في مقدمة كتابه المعسول: { وأنا لا أزعم في هذا الكتاب إلا أنه مجموعة مهيأة لمن يستقي منها غدا ما يريد ، ولذلك أحرص على ذكر العادات وطرائف الأخبار ، والنكات الأدبية ، والقوافي }(7) ؛ يتعلق الأمر إذن بموسوعة شاملة لا تهمل أي شيء من تاريخ الإقليم ، وتراثه ،وثقافته ، وملامحه الفكرية والعلمية والأدبية ؛ إذ لا سبيل لكتابة تاريخ وطني دون استجلاء عناصر هذا التاريخ في الأقاليم والجهات ، ومحمد داود أيضا حين أقبل على كتابة تاريخ تطوان كان مدركا صعوبة كتابة التاريخ العام للمغرب قبل التوفـر على المعلومات والأخبار والوثائق التي يزخر بها تراث الأقاليم المختلفة (8) .
ومع ذلك ؛ فانكباب المختار السوسي على هذا المشروع ، وانشغاله به دون سواه في الكتابة والتأليف ، ربما أملته عوامل متعددة في مقدمتها تعلقه بمسفط رأسه ، وسعيه للرفع من شأنه وإبراز مآثره كما يبدو مما عبر عنه وقد   أشرف على الانتهاء من موسوعته المعسول (9) .
ولعل الهدف من التأليف هو الذي رسم طريقته وحدد منهجه ، فكتابات السوسي لا تتغيى الانتقاء والاختيار ، بل تسعى إلى جمع الأخبار والنصوص والوثائق في السياسة والاجتماع والثقافة والأدب { فمهمته الأولى هي توفير المادة الخام ، أما عملية التحويل والصياغة ومناقشة الأفكار فيرى أنها تأتي في المراحل القادمة ؛ ومن هنا نصادف أخبار الفقهاء والأدباء والصوفية والأولياء }(10) .
وهكذا  أدرك أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا بإعمال الرحلة والتجوال للقاء العلماء ، وزيارة مراكز العلم والثفافة والتصوف ، كالمدارس والمكتبات والزوايا ، فبدا المعسول وكأنه رحلة تتلاحق مراحلها ومشاهدها لتنتظم القطر السوسي بكامله ، حواضره وبواديه ، فجل مصادر مواده ( من أفواه الرجال ) كما يعلن في  أكثر من مرة ، فالنفس الرحلي باد في كل ما أثبته في هذا الكتاب من تراجم أعلام ، وأخبار ، وقضايا … وهو نفسه يعده سبب الرحلة ونتيجة لها ، ويعتبره أوفى تآليفه في الاستجابة لتطلعات القارئ الباحث وتساؤلاته ، كما يعبر عن ذلك في آخر رحلته ((من الخمراء إلى إيلغ ))  بقوله: { وبعد فإنني وفيت بما كنت وعدت به رفاقي في تقييد هذه الرحلة ، فـإن كان القارئ لا يرى فيها ما يراه في الرحلات فلينتظر حتى يطالعه ما أمامه من الذيل الطويل الذي سيكتب فيه بحول الله ما لم يجمع قبل اليوم في كتاب } (11)، ويقصد بالذيل الطويل كتاب المعسول ا لذي يقع في عشرين جزءا .
ويذكر في مناسبات كثيرة أن ما يؤرقه ويقض مضجعه عجزه عن الوصول إلى النصوص والوثائق والمعلومات التي تعينه على تقديم صورة واضحة المعالم والسمات لهذه المنطقة ، لذا فاهتمامه الأول ينصب على ما كتبه السوسيون من مخطوطات وما دونوه من رحلات وفهارس وكنانيش ، وما عداه من كتابات غيرهم يؤخذ على سبيل الاستئناس والمقارنة والتوضيح ، يقول ملمجا إلى الأهداف التي يسعى إليها في رحلاته ، والمناهج التي يتبعها في تحقيق هذه الأهداف في تآليفه عامة والمعسول على الخصوص: { وعادتي في رحلاتي تتبع المخطوطات من مؤلفات السوسيين فأصفها وصفا شافيا ، وأما المخطوطات من غيرهم فلا أعيرها أهمية كبرى ما لم تكن من النوادر أو من الغريب وجودها في سوس ، كما أتتبع دفات الكتب حيث يألف السوسيون ، من قديم ، كتابة التاريخ و للوقائع والوفيات ، وكم جمعت من المجاميع من دفات الدفاتر والكتب العادية من هذه الفوائد ، ثم أنظم ذلك في سلك الرحلة } (12)
وإذا كان المختار السوسي انجذب إلى آفاق إقليمه ، وتنقل في حواضره وبواديه لأسباب سياسية وعلمية في مرحلة التأليف والإنتاج والعطاء ، فإنه في مرحلة الطلب والتحصيل كان ملازما لحلقات شيوخ العلم والأدب في أهم حواضر الشمال المغربي ، فدرس بمراكش خمس سنوات ، وبفاس أربع سنوات ، وبالرباط سنة ، فتكوينه العلمي تم في المغرب وعلى يد علمائه الذين ظل معتزا بالأخذ عنهم ، دائم الحنين إلى مجالسهم  العلمية ، ذاكرا القضايا والموضوعات والمناقشات المثارة في  هذه المجالس . (13)
ومن الشيوخ والإخوان بفاس ، الذين تردد ذكرهم في تآليفه: مولاي الصديق  العلوي ، ومحمد العابد الفاسي ، وعبد الواحد الفاسي ، وابنه علال الفاسي ، وإبراهيم  الكتاني ، وعبد العزيز بن إدريس …
ومن مدينة مكناس يخص بالذكر علمين بارزين فيتحدث عنهما بشاعرية متميزة ، مما يبرز مكانتهما عنده ، وهما: عبد الرحمن ابن زيدان ، والتهامي المعروفي . يقول عن الأول: {وأهوى أن أجالس مرة أخرى أستاذنا الكبير  العلامة ابن زيدان في خزانته ، وأنا وهو منفردان ، فيفتح لي خزانتين: خزانة كتبه التي أغرق فيها وازداد إمعانا في الغرق كالنحلة في خابية العسل ، وخزانة قلبه التي لا يفتحها إلا لبعض تلاميذه الأخصاء  ، فأرى منه ما قل أن يراه غيري من أفكار وانتقادات ، وأبحاث حول شخصيات مغربية لا تصدر إلا من مثله الذي لا يتكلم إلاعن إنصاف ، ثم لا يتهيب أحدا }(14) .
وبالرباط يحن إلى مجالس شيوخه من بينهم: المدني  بن الحسني الرباطي ، والقاضي السائح الرباطي ، والعلامة محمد بن العربي العلوي ، ويستعرض ذكرياته مع الإخوان العلماء والأدباء من مثل  العلامة التطواني السلوي الذي كان متجره بالرباط مجلسا يلتقي فيه المختار بثلة من الأدباء كالأساتذة عبد الله الجراري ، ومصطفى بن مبارك ، ومصطفى الغربي ، وابن عثمان المراكشي …
أما مراكش  {حيث الفؤاد لا يزال ثاويا ، حيث مناهل الصفا عذبة الموارد ، يردها هناك كل وارد ، حيث الإخوان الأساتذة }(15) ، فيذكر ثلة منهم من نحو: عبد القادر المسفيوي ، ومحمد بن عبد الرزاق ، وأحمد المنجرة ، وعبد الله بن إبراهيم ، وعبد القادر بن حسن ، وعلي بن المعلم ، ومحمد الكانوني …
وإذا كانت كتب المختار السوسي خميعها ، من خلال الاستطرادات ، والتراجم ، والمقارنات ، وتذكر الفوائد والطرائف  تفيدنا في الـتعرف على الكثير من رحلاته للحواضر الشمالية الكبرى زمن الطلب والتحصيل فإن الذي يحسن لفت النظر إليه ، هو أن صاحب المعسول يمكن اعتباره من أهم الرحالين الذين دونوا رحلاتهم بالمغرب في النصف الأول من القرن العشرين ، فأفادونا بملاحظاتهم وانطباعاتهم ومشاهداتهم عن الأماكن التي كانت مسرح هذه الرحلات ؛ فبفضل ما دونه ازددنا معرفة بمنطقة سوس من حيث جغرافيتها ، وتاريخها ، وفضاؤها العلمي والأدبي والصوفي …، وهكذا تعرف له ثماني رحلات جاب فيها إقليم سوس كله بحواضره وبواديه ، ومدارسه وزواياه وخزائنه ، ومواسمه وأسواقه ، واختلط أثناءها بسكانه على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم ، وجالس العلماء والأدباء والمتصوغة والفقهاء والقراء … ،
ويضم كتاب خلال جزولة (16) خمسا من هذه الرحلات ، وهى كلها منطلقة من إيلغ مسقط رأسه ومعتقله كذلك والرحلات هي كما يلي:
الأولى: من إيلغ إلى تارودانت ، استغرقت شهر ربيع الثاني عام 1361 هــ
الثانية: من إيلغ إلى ماسة ، من تاسع ذي القعدة   إلى فاتح شهر ذي الحجة عام 1361 هـ
الثالثة: من إيلغ إلى تامانارت وسكتانة من مفتتح شوال إلى الثامن والعشرين من ذي القعدة
عام 1362 هـ
الرابعة: من إيلغ إلى تزنيت ، فأكادير ، فتارودانت من خامس  شوال عام 1363 إلى تاسع محرم عام
1364 هـ
الخامسة: من إيلغ إلى فاس ، فمراكش ، فالبيضاء ، فالرباط ، من المحرم إلى العاشر من رجب   عام   1362  هـ
6 ـ  رحلته {من الحمراء إلى إيلغ } قام بها في شهر جمادى الأولى عام1354هـ /  1937 م وحررها ببلده إيلغ . أما الباعث على الرحلة فهو صوفي كما يذكر في فاتحتها قائلا: { والحافز إلى هذه الرحلة أصالة هو حضور موسم الفقراء الذي يقام دائما في شهر غشت الفلاحي منذ أقامه الوالد لأتباعه من نحو 1313 هـ/ 1895 م ، فلم يزل مستمرا إلى الآن }(17) ، حقق هذه الرحلة أخيرا ابن أخيه المرحوم عبد الله الدرقاوي ، ونشرت ضمن الكتاب الجماعي المهدى إلى المرحوم المنوني تحت عنوان {التاريخ والفقه }(18)  وتحتل الرحلة الصفحات 269 ـ 313
7 ـ 10 ـ هناك رحلات أربع  يذكرها في ذيل له على الجزء الثاني من الإلغيات (19) ، وهي كما وردت في الذيل:
{ حججت سنة 1365 هـفي الوفد الرسمي بتعيين مجمد الخامس رحمه الله .
ـ حللت ا لبيضاء وقت الأزمة بأولادي ، حيث بقيت إلى أن اعتقلت مع المعتقلين إلى الصحراء حيث بقيت سنة
ونصفا ، ولي في ذلك مؤلف .
ـ كنت زرت تونس كعضو في جمعية الحرمين الشريفين 1367هـ
ـ  كما كنت رئيس وفد مغربي في المؤتمر الإسلامي مختتم 1381هـ ، ثم اعتمرت وزرت القدس ودمشق } .
وبإلقاء نظرة على هذه الرحلات التي أشار إليها هو نفسه ، نتبين أنها تختلف من حيث النوع والباعث ؛ فهناك رحلة حجازية ، وثانية داخلية ، وثالثة مغاربية ، ورابعة مشرقية . لكن الرحالة لم يشر إلى أنه دونها وسجل وقائعها والراجح أانه حررها ، أو قيد فوائدها ، لما نعرفه من حرصه الشديد على التدوين والتأليف .
11 ـ   وهناك رحلة أخرى بعنوان {أصفى الموارد في تهذيب نظم الرحلة الحجازية للشيخ الوالد } قام بها والده إلى الحجاز سنة 1305هـ ، سجلها نظما ، لكن ابنه المختار أخرجها بعد أن نقحها ، وصوب أخطاءها التظمية والمعنوية ، وملأ ثغراتـها ، ووضع عنوانها ، فاستحق بذلك أن ينسب إليه تدوينها على الأقل . يقول في مقدمتها مبينا ما قام به وهو يعدها للنشر: { رأيت تلك النسخة ربما ألم بها أيضا مسخ النساخ زيادة على عدم تنقيحها أولا ، فجاء بعض أبياتها في شكل لا يمت إلى النظم بسبب ، فأخذتني الغيرة ، فظهر لي أن أخطها بيدي ،وأن أنقح منها بعض أبيات محافظا على الألفاظ ما أمكن ، وأما روحها فهو القطب الذي لا يتزحزح ، على أنني ربما أتم موضوعا قد طرقه ، ثم لم يستتم منه المعنى المراد ، بل يتركه مقتضبا ، وربما تكلم أيضا في مقام كلاما بكيفية لا تناسب الصناعة فأحوله إلى كيفية أخرى أمس بالصناعة ، وربما آتي من جديد بذكر حادثة كما هي عادته في مقامات أخرى ، وبذلك كله صار للرحلة رواء يدخلها في عديد الرحلات وهذا كله في الحقيقة قد أنشأها نشئا جديدا }(20) .
ومن خلال ما أثبتناه من رحلات ، يتبين أن للمختار السوسي تراثا رحليا هاما ، فلا يحضر مجلسا إلا وصفه ، ولا يدخل مدينة إلا وسارع إلى التعرف على أعلامها ، والأخذ عن شيوخها ، ومساجلة شعرائها ، ومراسلة كتابها ، ومناظرة علمائها ، واستجازتهم … فبدت رحلاته بذلك أشبه بالفهارس والكنانيش .
وهناك أمر يستحق الوقوف عنده والتنويه به ، باعتباره تطورا مهمافي التوجه الرحلي بالمغرب ، ذلك أن معظم الرحلات التي أشرنا إليها لم يتم خارج المغرب بعكس ما كان سابقا ؛ فـلقد تنبهت في دراسة سابقة ( 21) إلى غياب الرحلات الداخلية بالمغرب في العهود الأولى لكون الإقبال آنذاك كان منصبا على تدوين الرحلات التي ترتاد الآفاق والبلدان البعيدة ، أما الرحلات داخل المغرب فلم تدون إلا من قبل الوافدين غليه من غير المغاربة ، وكان لا بد من طرح التساؤل حينئذ عن أسباب عزوف أصحاب الرحلات الداخلية عن تدوين ملاحظاتهم ومشاهداتهم بالرغم من كثرة تنقلاتهم وزياراتهم لمواقع ومراكز علمية وصوفية في البادية والحاضرة ، وبدا لي من المقارنة والتتبع أن غياب هذه النصوص يكمن في انتفاء عنصر الغرابة والمفاجأة فيها ، فالأخبار والحكايات التي كانت تلقى الاهتمام وتترك أثرا لدى السامعين هي التي تتعلق بالبلدان البعيدة والأماكن النائية ، فرحلة ابن بطوطة لو لم تتحدث عن غرائب وعجائب البلدان القاصية لما كانت لها آنذاك تلك الشهرة في الأوساط الرسمية والشعبية على السواء .
ونظرة سريعة على كتاب {المصادر العربية لتاريخ المغرب }(22) للمرحوم العلامة المنوني نتبين هذه الندرة للرحلات الداخلية في العهود السابقة ، إذ لا نظفر طيلة التاريخ الفكري والأدبي بالمغرب ـ قبل القرن العشرين ـ إلا بنحو عشر رحلات داخلية بينما كان القرن العشرون زاخرا بهذا النوع من الرحلات ، فأكثر أعلامه (23) ـ ومنهم المختار السوسي ـ معظم رحلاتهم المدونة تصف مناطق من المغرب بمسالكه ومدنه وأحواله التاريحية والسياسية والاجتماعية والثقافية …
والرحلات التي ساقها المختار السوسي في {المعسول} للرحالين  السوسيين ـ في الأعصر المختلفة ـ ضمن تراجم الأعلام والاستطرادات والتعقيبات ، تتباين في توجهاتها وبواعثها وأهدافها ،وتتنوع في التناول والأسلوب والمنهج ، وتختلف في الحجم طولا وقصرا , وهكذا يمكن تصنيفها حسب الوجهة والقصد إلى ما يلي:
1 ـ  رحلات حجازية:  وتستهدف أداء فريضة الحج ، والوقوف على أهم المراكز العلمية  والأماكن المفدسة صدورا وورودا ، وهذا النوع يفترض أنه كثير ، فمعظم المترجمين في المعسول موصوفون بالحاج ولكن لا يسلك في عداد الرحالة إلا من عرف بمدوناته في هذا الباب ،
2 ـ  رحلات سياحية وزيارية: وهي رحلات تتغيى التربية  السلوكية ، وزيارة الصلحاء أحياء وأمواتا ؛ والسياحة لازمة للصوفي ، فابن عجيبة يرى أنه {لا بد للفقير من السياحة في بدايته}(24) وصاحب المعسول يستعمل المصطلح بهذا المعنى الصوفي  (25) ، كما أن الزيارة تعد من بواعث إعمال الرحلة لدى المتصوفة فـ  {زيارة أرباب التقى مرهم يبري } كما جاء في مطلع رائية إبراهيم التازي (26) .
وهكذا فالحاج الحسن التملي يسيح في سوس لتلقين الورد ، والشيخ إبراهيم البصير يأمر الفقراء بالسياحة لإرشاد النا س  وتوجيههم .
3 ـ  رحلات داخلية:  تنقل أ صحابها بين المراكز العلمية للطلب والتحصيل ،وللأخذ عن الشيوح، والاستفادة من خزائن الكتب .
4 ـ رحلات سياسية: وهي التي رحل أصحابها لبواعث وأهداف سياسية ، وما رحلات المختار السوسي نفسه (27) ، أو رحلة أحمد الهبة لمراكش (28)إلا نموذج لهذا النوع من الرحلات

جزء من بحث تحت عنوان” المعسول مصدر للرحلات السوسية”

 د. الحسن شاهدي – عن موقع وزارة الثقافة للمملكة المغربية 

Share via
Copy link